سعد آل بوعينين
02-19-05, 03:07 PM
..::فارس وقعة الطف::..
نسبه : هو الحر بن يزيد بن ناجية بن قعنب بن عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة التميمي اليربوعي الرياحي ؛ ولد قبل البعثةو كان من وجوه العرب، وشجعان المسلمين، وكان قائداً من أشراف تميم ، و سيد من سادات أهل الكوفة ؛ أرسله والي الكوفة عبيد اللّه بن زياد مع ألف فارس لصدّ الحسين رضي الله عنه عن الدخول إلى الكوفة فسار بجيشه لتنفيذ هذا المهمة، فالتقى بركب الحسين في منطقة (ذي حسم) ، فقال الحسين: إني لم آتِ إلا بكتبكم ورسلكم، فإن تعطوني ما أطمئن إليه من العهد أقدم مِصرَكُم؛ وإلا أرجع من حيث جئت، ثم حضرت الصلاة فصلى الحسين، وصلى الحر وأصحابه بصلاته.
ثم استقبلهم وأنمى عليهم شأن الكتب وذم الولاة، فقال الحر: واللّه ما ندري ما هذه الكتب والرسل.
فاستدعى بخرجين مملوءين صحفاً ونشرها، فقال الحر: لسنا من هؤلاء، وإنما أمرنا إذا لقيناك ألاَ نفارقك حتى نقدمك الكوفة على ابن زياد .
فقال الحسين: الموت أدنى من ذلك، ثم أمر أصحابه فركبوا لينصرفوا، فمنعهم الحر، وطال بينهما الكلام، وقال الحر: لم أومر بقتالك، وإنما أمرت ألا أفارقك حتى أقدمك الكوفة فخذ طريقاً غير طريقها، وأكتبُ أنا إلى ابن زياد، واكتب أنت إليه وإلى يزيد، فعسى أن يأتي من الأمور ما يدفع عني أن أُبتلى بشيء من أمرك.
فتياسر عن طريق العذيب والقادسية، وسار الحر معه، وهو يعظه ويذكره حقوق أهل البيت ووجوب طاعتهم، ويقدح له في ولاته وأمرائه بما كان معهم، ويذكُرُ له كتب أهل الكوفة ورسلهم، والحر يعظه، ويقول له: اتق الله في نفسك، فلئن قاتلت لتقتلن. فيقول: بالموت تخوفني?! ويضرب الأمثال وينشد في الشجاعة.
فلما رآه الحر كذلك، عدل يسير عنه ناحية حتى انتهوا إلى عذيب الهجانات فإذا هو بأربعة فرسان دليلهم الطرماح بن عدي الطائي ، وأجمح الحر حسهم فردهم .
فقال الحسين: هم بمنزلة أصحابي وإلا ناجزتك، ثم أخبره بخبر الكوفة وقتل قيس بن مسهر، فبكى وقرأ: "فَمِنهُم مَّن قَضَى نَحبَه وَمنهُم مَن يَنتَظِر" "الأحزاب: 23"، ثم دعا لهم، وقال له الطرماح: ما أرى معك كثير أحد، ولو لم يقاتلك إلا هؤلاء الذين مع الحر، لكانوا أكثر من كفْئِكَ، فكيف بمن سار إليك من الكوفة، فلم تر عيناي جمعاً أكثر منهم، فأنشدك اللّه ألاَ تتقدم إليهم شبراً، وإن أردت، فسر معي، انزل جبلنا أجأ، فقد امتنعنا به واللّه من ملوك غسان وحمير والنعمان، ومن الأبيض والأحمر، وتجتمع إليك طيئ في عشرين ألفَاً لا يوصل إليك وفيهم عين تطرف.
فجزّاه خيراً، وقال: قد عاهدنا هؤلاء القوم الذين معنا، فلا بد من الوفاء لهم، فودعه الطرماح وانصرف.
ثم ركبوا من الغد، وأراد أن يفارق الحر، فمنعه؛ وإذا بكتاب من ابن زياد إلى الحر يأمره أن يجعجع بالحسين حتى يجيء كتابه ورسوله ولا ينزله إلا بالعراء في غير حصن ولا ماء، وقد أمرت الرسول أن يلزمك حتى يأتيني بإنفاذك أمري، فقرأ الحر الكتاب، وأعلم الحسين وأصحابه بما فيه فقالوا: دعنا ننزل في الغاضرية.
فقال: لا أستطيع، وهذا الرجل قد بعث عيناً علي.
فقال زهير بن القين، وكان صحبه من مكة: تعال نحاجز هؤلاء، فهم أهون علينا ممن يأتينا بعدهم، فقال: ما كنت لأبدأهم بالقتال، وذلك لليلتين من المحرم سنة إحدى وستين.
فلما كان الغد، قدم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة آلاف حتى نزل بالحسين، وبعث إليه يسأله ما جاء به. فقال: كُتُبُ أهل الكوفة، فأما إذ كرهوني، فأنا أنصرف عنهم.
فكتب بذلك إلى ابن زياد، فكتب إليه أن يعرض على الحسين البيعة أو يمنعه ومن معه من الماء .
فأرسل عمرو بن الحجاج إلى الشريعة، ومنعوهم الماء، واشتد عليهم العطش، فركبوا إلى الماء، وقاتلوا عليه، وملئوا قربهم، ثم بعث الحسين إلى عمر في اللقاء، فلقيه ليلا، وتحادثا طويلا وافترقا.
وكان فيما قال له الحسين: دعوني أرجع إلى المكان الذي جئت منه، أو أذهب في الأرض العريضة حتى يستقيم أمر الناس. وكتب عمر بذلك إلى عبيد الله بن زياد يبشره بأن اللّه أطفأ النائرة وجمع الكلمة، فقبل ابن زياد ذلك، وقام إليه شمر بن ذي الجوشن منكراً لذلك، وقال: تقبل ذلك منه، وقد نزل بأرضك?! ولئن رحل ولم تضع يدك في يده، ليكونن أعز، وتكون أعجز، ولكن لينزل على حكمك.
فعبأ عمر بن سعد جيشه وأمرهم أن يحملوا على الحسين رضي الله عنه ومن معه من أصحابه ,
ولما زحف عمر بن سعد نحو الحسين، قال له الحر بن يزيد : أمقاتل أنت هذا الرجل? قال: نعم، قال: ولا تقبلون منه واحدة من الخصال التي عرض عليكم? فقال عمر: لو كان الأمر إلي، لفعلتُ، ولكن أميرنا أبى ذلك.
فجاء المهاجر بن أوس إلى الحر بن يزيد وقال : أتريد أن تحمل ؟!
فسكت الحر وأخذته رعدة ؛ فارتاب المهاجر من هذا الحال فقال للحر : لو قيل لي من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك , فماهذا الذي أراه منك ؟
فقال الحر : إني أُخير نفسي بين الجنة والنار , والله لا أختار على الجنة شيئاً ولو قُطّعت وأحرقت . ثم ضرب جواده نحو الحسين منكــسـاً رأسه قالباً درعه ، حتى استراب به أصحابه، ولحق بالحسين ، وقال: يا بن رسول اللّه...
أنا صاحبك الحر الذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان، وواللّه لو ظننت أنهم لا يقبلون منك واحدة مما عرضت عليهم، أو يبلغون بك هذه المنزلة، ما فعلت الذي فعلت، وقد جئتك تائبَاً أموت دونك، أفتراها لي توبة?
فقال الحسين رضي الله عنه : نعم ، يتوب الله عليك ويغفر لك.
ثم انعطف الحر إلى أصحابه وقال: ألا تقبلون من الحسين واحدة مما عرض عليكم؛ فيعافيكم اللّه من حربه وقتاله?
فقال له عمر: قد حرصت على ذلك، وما وجدت إليه سبيلاَ .
ثم نادى الحر في أهل الكوفة بأعلى صوته ووبخهم على أن دعوه وأسلموه فقال :
يا أهل الكوفة .. لأمكم الهبل والعبر إذ دعوتموه وأخذتم بكظمه و أحطتم به من كل جانب فمنعتموه من التوجه في بلاد اللّه العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته، فأصبح كالأسير لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وحلأتموه ونسائه وصبيته وصحبه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهود والنصارى والمجوس , وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه ، وهو وأهله صرعى من العطش. بئس ما خلفتم محمداً في ذريته ....ودعى عليهم، فرموه بالنبل فرجع .
ثم تقدم عمر بن سعد برايته، ورمى بسهم، وقال: اشهدوا أنا أول رامٍ، وتبارز الناس وقاتل الحر بن يزيد مع الحسين قتالاَ شديداً إلى أن انتصف النهار , ثم كر الحر عليهم وخلفه زهير بن القين يحمي ظهره. فقاتل هو وزهير قتالاً شديداً، فكان إذا شد أحدهما فإن استلحم شد الآخر حتى يخلصه ففعلا ذلك ساعة , والحر يرتجز:
إني أنا الحر ومأوى الضيف=أضرب في أعراضكم بالسيف
عن خير من حل بأرض الخيف
وقيل أن يزيد بن سفيان الثغري من بني الحرث بن تميم كان يقول: أما والله لو رأيت الحر حين خرج لأتبعته السنان , فبينا الناس يتجاولون ويقتتلون، والحر بن يزيد يحمل على القوم مقدماً ويتمثل بقول عنترة:
ما زلت أرميهم بثغرة نحره=ولبانه حتى تسربل بالدم
وإن فرسه لمضروب على أذنيه وحاجبيه وإن دماءه لتسيل فقال الحصين بن نمير التميمي ليزيد بن سفيان: هذا الحر الذي كنت تتمنى قتله. قال: نعم، فخرج إليه وقال له: هل لك يا حر في المبارزة؟
قال: نعم قد شئت.
فبرز له.
قال الحصين: وكنت أنظر إليه فوالله لكأن نفسه كانت في يد الحر، خرج إليه فما لبث أن قتله.
وقال أيوب بن مشرح الخيواني : جال الحر على فرسه فرميته بسهم فحشاته فرسه، فما لبث أن رعد الفرس واضطرب وكبا ، فوثب عنه الحر كأنه ليث، والسيف في يده وهو يقول:
أن تعقروا بي فأنا ابن الحر = أشجع من ذي لبده هز بـر
فما رأيت أحداً يفري فريه، فأخذ يقاتل راجلاً وهو يقول:
آليت لا أقتل حــــتى أقــــــــتلا =ولـــــن أصــــــاب اليوم إلا مقبلا
أضربهم بالسف ضرباً مفصلا=لا نــــــــاكلاً فيــــــهم ولا مــهللا
وبقي الحر يدير رحى الحرب وحده، ويحصد الرؤوس، ويخمد النفوس، حتى قتل في حملته الأخيرة ثمانين فارساً من أبطالهم، فضج العسكر، وصعب عليهم أمره، فنادى ابن سعد بالرماة والنبالة فأحدقوا به من كل جانب حتى صار درعه كالقنفذ، هنالك اتقدت نار الغيرة في كانون فؤاده، ووقف وقفة المستميت فنزل عن فرسه وعقرها لأنها لم تستطع الاقتحام من كثرة السهام، وأخذ يكر عليهم راجلاً إلى أن سقط على الأرض وبه رمق، فكر عليه أصحاب الحسين ، واحتملوه حتى ألقوه بين يدي الحسين , فجعل الحسين يمسح الدم والتراب عن وجهه ويقول: بخ بخ يا حر , ما أخطأت أمك إذ سمتك حرا، أنت الحر في الدنيا والحر في الآخرة ، ثم استعبر . وقال يرثيه ..
لنعم الحر حر بنــــي رياح=صبور عند مختلف الرماح
ونعم الحر إذ فادى حسيناً=فجـــاد بنفسه عند الصباح
وبهذا الموقف البطولي انتهت سيرة الفارس الشجاع الحر بن يزيد الرياحي .
وقد دفن في ضواحي كربلاء ـ منفرداً عن بقية الشهداء ـ وقد بني عليه بناء وقبة عالية ؛ وأصبح الرافضة ( أخزاهم الله ) يزورونه ويطوفون بقبره ويترحمون عليه لموقفه مع الحسين رضي الله عنه .
كتبه / أبوبحر - سعد بن محمد آل بوعينين الدارمي التميمي
نسبه : هو الحر بن يزيد بن ناجية بن قعنب بن عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة التميمي اليربوعي الرياحي ؛ ولد قبل البعثةو كان من وجوه العرب، وشجعان المسلمين، وكان قائداً من أشراف تميم ، و سيد من سادات أهل الكوفة ؛ أرسله والي الكوفة عبيد اللّه بن زياد مع ألف فارس لصدّ الحسين رضي الله عنه عن الدخول إلى الكوفة فسار بجيشه لتنفيذ هذا المهمة، فالتقى بركب الحسين في منطقة (ذي حسم) ، فقال الحسين: إني لم آتِ إلا بكتبكم ورسلكم، فإن تعطوني ما أطمئن إليه من العهد أقدم مِصرَكُم؛ وإلا أرجع من حيث جئت، ثم حضرت الصلاة فصلى الحسين، وصلى الحر وأصحابه بصلاته.
ثم استقبلهم وأنمى عليهم شأن الكتب وذم الولاة، فقال الحر: واللّه ما ندري ما هذه الكتب والرسل.
فاستدعى بخرجين مملوءين صحفاً ونشرها، فقال الحر: لسنا من هؤلاء، وإنما أمرنا إذا لقيناك ألاَ نفارقك حتى نقدمك الكوفة على ابن زياد .
فقال الحسين: الموت أدنى من ذلك، ثم أمر أصحابه فركبوا لينصرفوا، فمنعهم الحر، وطال بينهما الكلام، وقال الحر: لم أومر بقتالك، وإنما أمرت ألا أفارقك حتى أقدمك الكوفة فخذ طريقاً غير طريقها، وأكتبُ أنا إلى ابن زياد، واكتب أنت إليه وإلى يزيد، فعسى أن يأتي من الأمور ما يدفع عني أن أُبتلى بشيء من أمرك.
فتياسر عن طريق العذيب والقادسية، وسار الحر معه، وهو يعظه ويذكره حقوق أهل البيت ووجوب طاعتهم، ويقدح له في ولاته وأمرائه بما كان معهم، ويذكُرُ له كتب أهل الكوفة ورسلهم، والحر يعظه، ويقول له: اتق الله في نفسك، فلئن قاتلت لتقتلن. فيقول: بالموت تخوفني?! ويضرب الأمثال وينشد في الشجاعة.
فلما رآه الحر كذلك، عدل يسير عنه ناحية حتى انتهوا إلى عذيب الهجانات فإذا هو بأربعة فرسان دليلهم الطرماح بن عدي الطائي ، وأجمح الحر حسهم فردهم .
فقال الحسين: هم بمنزلة أصحابي وإلا ناجزتك، ثم أخبره بخبر الكوفة وقتل قيس بن مسهر، فبكى وقرأ: "فَمِنهُم مَّن قَضَى نَحبَه وَمنهُم مَن يَنتَظِر" "الأحزاب: 23"، ثم دعا لهم، وقال له الطرماح: ما أرى معك كثير أحد، ولو لم يقاتلك إلا هؤلاء الذين مع الحر، لكانوا أكثر من كفْئِكَ، فكيف بمن سار إليك من الكوفة، فلم تر عيناي جمعاً أكثر منهم، فأنشدك اللّه ألاَ تتقدم إليهم شبراً، وإن أردت، فسر معي، انزل جبلنا أجأ، فقد امتنعنا به واللّه من ملوك غسان وحمير والنعمان، ومن الأبيض والأحمر، وتجتمع إليك طيئ في عشرين ألفَاً لا يوصل إليك وفيهم عين تطرف.
فجزّاه خيراً، وقال: قد عاهدنا هؤلاء القوم الذين معنا، فلا بد من الوفاء لهم، فودعه الطرماح وانصرف.
ثم ركبوا من الغد، وأراد أن يفارق الحر، فمنعه؛ وإذا بكتاب من ابن زياد إلى الحر يأمره أن يجعجع بالحسين حتى يجيء كتابه ورسوله ولا ينزله إلا بالعراء في غير حصن ولا ماء، وقد أمرت الرسول أن يلزمك حتى يأتيني بإنفاذك أمري، فقرأ الحر الكتاب، وأعلم الحسين وأصحابه بما فيه فقالوا: دعنا ننزل في الغاضرية.
فقال: لا أستطيع، وهذا الرجل قد بعث عيناً علي.
فقال زهير بن القين، وكان صحبه من مكة: تعال نحاجز هؤلاء، فهم أهون علينا ممن يأتينا بعدهم، فقال: ما كنت لأبدأهم بالقتال، وذلك لليلتين من المحرم سنة إحدى وستين.
فلما كان الغد، قدم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة آلاف حتى نزل بالحسين، وبعث إليه يسأله ما جاء به. فقال: كُتُبُ أهل الكوفة، فأما إذ كرهوني، فأنا أنصرف عنهم.
فكتب بذلك إلى ابن زياد، فكتب إليه أن يعرض على الحسين البيعة أو يمنعه ومن معه من الماء .
فأرسل عمرو بن الحجاج إلى الشريعة، ومنعوهم الماء، واشتد عليهم العطش، فركبوا إلى الماء، وقاتلوا عليه، وملئوا قربهم، ثم بعث الحسين إلى عمر في اللقاء، فلقيه ليلا، وتحادثا طويلا وافترقا.
وكان فيما قال له الحسين: دعوني أرجع إلى المكان الذي جئت منه، أو أذهب في الأرض العريضة حتى يستقيم أمر الناس. وكتب عمر بذلك إلى عبيد الله بن زياد يبشره بأن اللّه أطفأ النائرة وجمع الكلمة، فقبل ابن زياد ذلك، وقام إليه شمر بن ذي الجوشن منكراً لذلك، وقال: تقبل ذلك منه، وقد نزل بأرضك?! ولئن رحل ولم تضع يدك في يده، ليكونن أعز، وتكون أعجز، ولكن لينزل على حكمك.
فعبأ عمر بن سعد جيشه وأمرهم أن يحملوا على الحسين رضي الله عنه ومن معه من أصحابه ,
ولما زحف عمر بن سعد نحو الحسين، قال له الحر بن يزيد : أمقاتل أنت هذا الرجل? قال: نعم، قال: ولا تقبلون منه واحدة من الخصال التي عرض عليكم? فقال عمر: لو كان الأمر إلي، لفعلتُ، ولكن أميرنا أبى ذلك.
فجاء المهاجر بن أوس إلى الحر بن يزيد وقال : أتريد أن تحمل ؟!
فسكت الحر وأخذته رعدة ؛ فارتاب المهاجر من هذا الحال فقال للحر : لو قيل لي من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك , فماهذا الذي أراه منك ؟
فقال الحر : إني أُخير نفسي بين الجنة والنار , والله لا أختار على الجنة شيئاً ولو قُطّعت وأحرقت . ثم ضرب جواده نحو الحسين منكــسـاً رأسه قالباً درعه ، حتى استراب به أصحابه، ولحق بالحسين ، وقال: يا بن رسول اللّه...
أنا صاحبك الحر الذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان، وواللّه لو ظننت أنهم لا يقبلون منك واحدة مما عرضت عليهم، أو يبلغون بك هذه المنزلة، ما فعلت الذي فعلت، وقد جئتك تائبَاً أموت دونك، أفتراها لي توبة?
فقال الحسين رضي الله عنه : نعم ، يتوب الله عليك ويغفر لك.
ثم انعطف الحر إلى أصحابه وقال: ألا تقبلون من الحسين واحدة مما عرض عليكم؛ فيعافيكم اللّه من حربه وقتاله?
فقال له عمر: قد حرصت على ذلك، وما وجدت إليه سبيلاَ .
ثم نادى الحر في أهل الكوفة بأعلى صوته ووبخهم على أن دعوه وأسلموه فقال :
يا أهل الكوفة .. لأمكم الهبل والعبر إذ دعوتموه وأخذتم بكظمه و أحطتم به من كل جانب فمنعتموه من التوجه في بلاد اللّه العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته، فأصبح كالأسير لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وحلأتموه ونسائه وصبيته وصحبه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهود والنصارى والمجوس , وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه ، وهو وأهله صرعى من العطش. بئس ما خلفتم محمداً في ذريته ....ودعى عليهم، فرموه بالنبل فرجع .
ثم تقدم عمر بن سعد برايته، ورمى بسهم، وقال: اشهدوا أنا أول رامٍ، وتبارز الناس وقاتل الحر بن يزيد مع الحسين قتالاَ شديداً إلى أن انتصف النهار , ثم كر الحر عليهم وخلفه زهير بن القين يحمي ظهره. فقاتل هو وزهير قتالاً شديداً، فكان إذا شد أحدهما فإن استلحم شد الآخر حتى يخلصه ففعلا ذلك ساعة , والحر يرتجز:
إني أنا الحر ومأوى الضيف=أضرب في أعراضكم بالسيف
عن خير من حل بأرض الخيف
وقيل أن يزيد بن سفيان الثغري من بني الحرث بن تميم كان يقول: أما والله لو رأيت الحر حين خرج لأتبعته السنان , فبينا الناس يتجاولون ويقتتلون، والحر بن يزيد يحمل على القوم مقدماً ويتمثل بقول عنترة:
ما زلت أرميهم بثغرة نحره=ولبانه حتى تسربل بالدم
وإن فرسه لمضروب على أذنيه وحاجبيه وإن دماءه لتسيل فقال الحصين بن نمير التميمي ليزيد بن سفيان: هذا الحر الذي كنت تتمنى قتله. قال: نعم، فخرج إليه وقال له: هل لك يا حر في المبارزة؟
قال: نعم قد شئت.
فبرز له.
قال الحصين: وكنت أنظر إليه فوالله لكأن نفسه كانت في يد الحر، خرج إليه فما لبث أن قتله.
وقال أيوب بن مشرح الخيواني : جال الحر على فرسه فرميته بسهم فحشاته فرسه، فما لبث أن رعد الفرس واضطرب وكبا ، فوثب عنه الحر كأنه ليث، والسيف في يده وهو يقول:
أن تعقروا بي فأنا ابن الحر = أشجع من ذي لبده هز بـر
فما رأيت أحداً يفري فريه، فأخذ يقاتل راجلاً وهو يقول:
آليت لا أقتل حــــتى أقــــــــتلا =ولـــــن أصــــــاب اليوم إلا مقبلا
أضربهم بالسف ضرباً مفصلا=لا نــــــــاكلاً فيــــــهم ولا مــهللا
وبقي الحر يدير رحى الحرب وحده، ويحصد الرؤوس، ويخمد النفوس، حتى قتل في حملته الأخيرة ثمانين فارساً من أبطالهم، فضج العسكر، وصعب عليهم أمره، فنادى ابن سعد بالرماة والنبالة فأحدقوا به من كل جانب حتى صار درعه كالقنفذ، هنالك اتقدت نار الغيرة في كانون فؤاده، ووقف وقفة المستميت فنزل عن فرسه وعقرها لأنها لم تستطع الاقتحام من كثرة السهام، وأخذ يكر عليهم راجلاً إلى أن سقط على الأرض وبه رمق، فكر عليه أصحاب الحسين ، واحتملوه حتى ألقوه بين يدي الحسين , فجعل الحسين يمسح الدم والتراب عن وجهه ويقول: بخ بخ يا حر , ما أخطأت أمك إذ سمتك حرا، أنت الحر في الدنيا والحر في الآخرة ، ثم استعبر . وقال يرثيه ..
لنعم الحر حر بنــــي رياح=صبور عند مختلف الرماح
ونعم الحر إذ فادى حسيناً=فجـــاد بنفسه عند الصباح
وبهذا الموقف البطولي انتهت سيرة الفارس الشجاع الحر بن يزيد الرياحي .
وقد دفن في ضواحي كربلاء ـ منفرداً عن بقية الشهداء ـ وقد بني عليه بناء وقبة عالية ؛ وأصبح الرافضة ( أخزاهم الله ) يزورونه ويطوفون بقبره ويترحمون عليه لموقفه مع الحسين رضي الله عنه .
كتبه / أبوبحر - سعد بن محمد آل بوعينين الدارمي التميمي