الناصري التميمي
06-06-05, 02:04 AM
الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم :
يهدون من ضل إلى الهدى ويبصرونهم من العمى ، ويحيون بكتاب الله الموتى ، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من ضال تائه قد هدوه فما أحسن أثرهم عل الناس وما أسوأ أثر الناس عليهم .
وصلى الله على نبينا محمد المجتبى الأمين وآله وصحبه وسلم تسليمًا .
أما بعد : فإن الحديث عن العلماء – تبصيرًا بسيرهم ، وتعريفًا بحياتهم ، ونشرًا لفضائلهم ، وإذاعة لمناقبهم – مما ينفع الأمة أكبر النفع ، لأن فيه وصلَ الحاضر بالماضي ، وحثَّ المتأخر على الاقتداء بسجايا الخير التي تحلوا بها ، وفيه معرفة طلبة العلم بحال علمائهم وسيرتهم وفقههم وعلمهم وتقواهم وصلاحهم فينهلوا مما نهل منه أولئك العلماء حتى يلحق الركب بالركب ويقعَ الحافِرُ على الحافر ، وفيه تعريف أجيال الأمة المتلاحقة بأن أمتهم ودعوتهم ما وصلت إلى علو الشأن إلا بتوفيق الله وإعانته ثم بجهد وعمل بذله من تقدمهم فإن تواصل العمل تواصلت الريادة ، وإلا فالنقص ثم الزوال ، وفي الكلام عن العلماء فوائد لا تحصى في مثل هذه المقدمة .
من أولئك العلماء العاملين ، والجهابذة المحققين والأئمة المجاهدين الذين أثروا في حياة بلادنا والناس تأثيرًا ، تعليمًا ودعوة ، وقيادة وقدوة : العلامة الإمام محدث الفقهاء ، وفقيه المحدثين ، وداعية التوحيد مفتي الديار السعودية
الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ال مشرف الوهيبي التميمي .
#مولده – نشأته – أسرته :
ولد الشيخ رحمه الله في حي دخنة من مدينة الرياض في شهر الله المحرم سنة 1311هـ ، وأخواله الهلالي أسرة تسكن عرقة ، نشأ هذا المولود في بيئة ومجتمع زكي ، فأبوه وأعمامه أهل علم ودعوة وجهاد وصف ذلك الشيخ عبد الله بن بسام فقال : " كان مولده في بيت علم وفضل وزعامة دينية ، فنشأ على عادة أهله وآبائه محبًا للعلم طموحًا إلى الفضل " .
وينشأ الناشئ يقتبس من أخلاق وأوصاف من حوله ، فوالد الشيخ هو الشيخ الورع إبراهيم ابن عبد اللطيف قاضي مدينة الرياض ، وله رسائل وفتاوى ، كان رحمه الله متميزًا بالعدل الظاهر في قضائه ومقابلة الخصوم ، وكان ناظمًا للشعر مجيدًا له كأبيه عبد اللطيف .
وأما أعمام الشيخ محمد فأكبرهم الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف عالم نجد بعد أبيه ، وقائدها وكريمها ، بهر الرجال بحنكته وعقله ، وأدهشهم بعلمه وفضله ، هابه أمراء المدن والأقاليم الذي عقبوا آل سعود فيما بين الدولتين السعودية الثانية والثالثة ، فأظهروا محبته تارة وأضافوه في بلادهم ، وأكرموه ، فما حل ببلد ولا قرية إلا نشر دعوة التوحيد والعلم النافع ثم رجع إلى الرياض ، ثم لما قدم الملك عبد العزيز رحمه الله الرياض كان سنده وعضده بعقل وحكمة ، بل إن كثيرًا من جند الملك عبد العزيز كانوا من المتأثرين بالشيخ المتخرجين في حلق علمه ومدرسته ، رحمه الله رحمة واسعة .
وكذلك بقية أعمام المترجم له كانوا أهل علم وفضل كالمشايخ محمد بن عبد اللطيف وعبد العزيز وعبد الرحمن وعمر ، ولهم أخبار وأحوال كالعبير رحيقًا ، وصفهم الواصفون بنعوت أشبهوا بها الأوائل سمتًا وهديًا وعبادة وصلاحًا وعلمًا ، رحمهم الله ووفق ذرياتهم .
نشأ الشيخ في هذه الأسرة فلا غرو أن أثرت فيه ، وقد نهل منها واحتذى حذوها ، فتوجه بتوفيق الله من أثر هذه البيئة والمجتمع الذي حوله إلى العلم قابسًا من عقل ذوي العقل ، وتقى ذوي التقى ، وغيرة ذوي الغيرة وكلهم ذاك الرجل ، فطلب العلم على قاعدة الدين والعمل والعقل والغيرة لله فكان ذلك معلمًا بارزًا لنبوغه وتهيُّؤه للقيادة والريادة .
لما بلغ السابعة من العمر أي سنة 1318هـ شرع يتعلم القرآن بتجويده نظرًا على المقرئ ذي الصوت العذب المؤثر عبد الرحمن بن مفيريج ، فأجاده نظرًا ، ثم ابتدأ حفظه في سن الحادية عشرة ، وتعلم الكتابة وكان إذ ذاك مبصرًا ، وكتابته في صغره حسنة على أصولها كما ينبئ عن ذلك ورقة فيها كتابته إذ ذاك .
بعد هذا الأساس الأول لمن يريد طلب العلم الشرعي بحق – أعني حفظ القرآن – شرع يقرأ على مشايخه فكان أولهم والده الشيخ إبراهيم ، فقرأ عليه في مختصرات رسائل أئمة الدعوة ونُبَذ إمام الدعوة رحمه الله ، كان يحفظ المتن ثم يقرؤه على والده ثم يشرح له والده ما يُفهِمه مرامي كلامِهم ، وأصول مسائلهم ، وهكذا ينبغي أن يكون التوحيد هو أول مُتَعَلَم ، وإنما يفهم ويضبط بضبط متونه قبل شروحه ، إذ من حفظ وضبط المتون حاز الفنون .
ولما بلغ قريبًا من السادسة عشرة مرض بالرمد في عينيه ، وطال معه إلى قرابة سنة ، إلى أن كفَّ بصره عوضه الله الجنة .
بعد هذا شرع في حفظ القرآن وتثبيته وتنوع القراءة على مشايخه ، كما سيأتي فيما بعدُ .
وفي 6/12/1329هـ تُوفي والده عن عمرٍ يقارب 49 سنة إذ مولده سنة 1280هـ وكان للشيخ إبراهيم أربعة أبناء كبيرهم عبد الله ( 1305 – 1386هـ ) ثم محمد ثم عبد اللطيف ( 1315 – 1386هـ ) ثم عبد الملك ( 1324 – 1404هـ ) ، وكلهم عُرِف بالعلم والحلم والسداد رحمهم الله أجمعين .
فكان الشيخ رحمه الله لصغار إخوته حانيًا ومربيًا ومعلمًا .
فكان الشيخ رحمه الله لصغار إخوته حانيًا ومربيًا ومعلمًا .
# تعلمه – مشايخه :
جدّ الشيخ في تلك السن المبكرة على طلب العلم ، فتنقل بين علماء بلده يأخذ عنهم العلوم الشرعية الأصلية والمساندة ، فأخذ عن كل شيخ من مشايخه العلوم التي يدرسها ، وبالأخص ما يتميز به كل شيخ من العلوم ، ولهذا برع فيما درس لبراعة مشايخه وحسن استعداده العلمي والفطري : ففي التوحيد صارت له يد التحقيق ، وفي الفقه رسخت قدمه في الاجتهاد ، وفي العربية وعلومها صار معلمها الشارح لها أحسن شرح وهكذا في سائر العلوم ، ولا غرو أن كان كذلك إذ إنه تتلمذ لمشايخ برعوا في علومهم ، ومشايخه هم :
1 – والده الشيخ إبراهيم الوهيبي التميمي . ( 1280 – 1329هـ ) .
2 – عمه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف الوهيبي التميمي . ( 1265 – 1339هـ ) .
3 – الشيخ النحوي الفرضي الفقيه حمد بن فارس . ( 1263 – 1345هـ ) .
4 – الشيخ المحدث الفقيه سعد بن عتيق . ( 1279 – 1345هـ ) .
5 – الشيخ الفرضي عبد الله بن راشد . ( وفاته 1339هـ ) .
6 – الشيخ الفقيه محمد بن محمود . ( 1250 – 1333هـ ) .
قرأ على والده أصول التوحيد ومختصراته ، والفرائض ، ثم توسع في الفرائض على الشيخ عبد الله ابن راشد فقرأ عليه ألفية الفرائض .
وقرأ على عمه كتبًا كثيرة حفظًا منها كتب العقائد والتوحيد ككتاب التوحيد وكشف الشبهات وثلاثة الأصول ونحوها ، وبقية كتب أئمة الدعوة ، وقرأ الواسطية والحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية ، وحين يقال : قرأ فيعني حفظ غالبًا ، وفهم ذلك وجوَّده .
وقرأ في الفقه مختصراته أولاً على الشيخ حمد بن فارس فحفظ زاد المستقنع ، ثم قرأ على الشيخ محمد بن محمود ثم الشيخ سعد بن عتيق ، وكان هؤلاء الثلاثة ممن برعوا في الفقه وحققوا مسائله ، وضبطوا غرائبه .
وأما في الحديث : فقد حفظ بلوغ المرام وقريبًا من نصف " منتقى الأخبار " للمجد ابن تيمية وقرأهما على عمه الشيخ عبد الله ، وكرر قراءة بلوغ المرام على المحدث الشيخ سعد بن عتيق وأمرّ عليه ألفية العراقي .
وقد أُعطي إجازات في الحديث متنوعة وروى بأسانيده عددًا من الأحاديث إلى رسول الله r بسماعٍ لا إجازة ، ولولا خشية الإطالة لسقت ذلك مفصلاً .
وأما في علوم العربية : فقد حفظ من متونها ما به تثبت القدم ، ويرسخ الفهم ، فقرأ الآجرومية ، وملحة الإعراب للحريري ، وقطر الندى لابن هشام ، وألفية ابن مالك المشهورة ، قرأ هذه المتون على العلامة النحوي الحليم المتورع الفقيه الشيخ حمد بن فارس .
وقد دَرَّس الشيخ بعد ذلك هذه المتون النحوية فبرز في ذلك .
نعم .. إن للأخذ عن المشايخ فوائد مع الحصيلة العلمية ، فالتلميذ يقبس من أخلاق مشايخه ويتأثر بسجاياهم والخصال الجميلة التي يتحلون بها .
ولا غرو أن رأينا مشايخ الشيخ محمد بن إبراهيم متنوعين فيما منحهم الله به ، فهاهو الشيخ عبد الله عمه جمع إلى العلم الدهاء والعقل وحسن السياسة والقيادة ، والشيخ سعد بن عتيق جمع إلى العلم الصدع بالحق والقوة فيه ، والشيخ حمد بن فارس جمع إلى العلم الحلم العجيب والورع عن المشتبهات ، والتوقف عن المزلات .. وهكذا ، ومن نظر في خصال المترجم له وشخصيته وبنيته العقلية والخُلُقية والعلمية كاد أن يجزم أنه جمع المحاسن التي تفرقت في مشايخه ، وتحلى بالفضائل التي تبددت في غيره ، وليس في هذا مبالغة ولكن من عرفه علم ما ذكرناه .
# إخوانه – زملاؤه :
سبق أن ذكرت أن للشيخ ثلاثة من الأخوة هم الشيخ عبد الله وكان إمامًا لمسجد ابن شلوان في الرياض وكان – إضافة إلى علمه – متميزًا بصفاتٍ كلين العريكة وطيب المعشر وضبط الحديث وحسن الخلق ، وكان من العارفين بالأنساب الضابطين لها ، وكان أخباريًا ثبتًا في حديثه ، والشيخ عبد الله أسن من الشيخ محمد رحمهما الله ، وقد كان الشيخ ينيبه أحيانًا لخطبة الجمعة .
والشيخ عبد اللطيف كان حليف الود للشيخ محمد من صغره ، كان مرافقًا له في ذهابه وإيابه غالبًا ، قريبًا منه ، وكان معينًا له في تحضير الدروس ، والشيخ عبد اللطيف كان – إضافة إلى علمه الشرعي – من الأدباء الشعراء ، والنحويين الغرضيين ، فله الشعر الرائق المحفوظ ، وقد درَّس الطلاب مع الشيخ محمد ونيابة عنه في فنون العربية والفرائض وغيرها .
وكان متميزًا ببذل نفسه للناس يخدم هذا ، ويكتب لذاك ، ويشفع لهذا ويعطي ذاك ، وربما أرهقه الناس بما يرغبون فيه وهو صابر عليهم ، فربما خرج من المسجد في اليوم الحار فأمسك به ذوو الحاجات فيقضي لهم ما يقدر عليه من كتابة وغيرها ويدوم ذلك الساعة وأكثر وهم وقوف في الحر فيما بين المسجد والبيت ، هكذا حدثني من رأى ذلك .
ومحبةُ الشيخ رحمه الله لأخيه تظهر في أبيات إخوانية نظمها الشيخ محمد وأرسلها للشيخ عبد اللطيف لما سافر في مهمة شرعية ، قال فيها :
فإما أنختم بالـفنا ولـقيتمـوا =شقيقي حليف الود مذ هو صغير
فقولوا له يهدي السلام مضاعفًا=إليك محب فـي هـواك أسـير
ويهدي تحيـاتٍ كأن أريجهـا = لدى النشر يا عبد اللطيف عبـير
إلى آخرها
والشيخ عبد اللطيف قد تولى مناصب شرعية آخرها نائب رئيس الكليات والمعاهد العلمية ( جامعة الإمام حاليًا ) .
وأما الشيخ عبد الملك فهو الخيِّر الصامت ، الوقور الليِّن ، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر جمع إلى علمه من صفات الخير وبذل المال والمعروف ما يَشْهد به له من عرفه ، كان قريبًا من الشيخ وصحب الشيخ محمدًا في سفره إلى ( الغطغط ) لما أقام فيها الستة أشهر للدعوة والتعليم والقضاء ، وكان يكتب أحيانًا للشيخ ، فهو بمثابة الابن لأخيه الأكبر
وكان رحمه الله رئيسًا لهيئات الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المنطقة الغربية .
أما زملاؤه : فأخص منهم الشيخ عبد العزيز بن صالح المرشد المولود سنة 1313هـ ، كان رفيقًا للشيخ في طفولتهما ، وفي شبابهما ، وفي طلبهما للعلم ، طلبا سويًّا ، وتنقلا بين المشايخ سنيّا .
كان مما حدثني أنه استأجر هو والشيخ بيتًا صغيرًا ، وضعا فيه كتبهما ، استأجراه للتفرغ فيه للمطالعة فكانا يأويان إليه يحفظان ويدرسان ويتذكران ، وكانت الأجرة 7 ريالات عربية .
الشيخ عبد العزيز بن صالح رحمه الله إذا جلست معه ذكرت السلف ، ورأيت الزهد والتقوى ، والعلم والورع ، والحكمة والأخبار ، وأحسبه من الزاهدين العلماء ، له لهج بالدعوة دعوة التوحيد ، ومحبة لأهلها ، حلقة علمه بعد مغرب كل يوم دامت عقودًا من الأعوام ، وليت المقام أوسع من هذا لأذكر ما أعرفه عنه فهو عَلَمٌ قلَّ من يعرف أحواله وخصاله .
دامت صحبته وزمالته للشيخ محمد إلى وفاته ، وقد ذكر لي أنه ما ترك الشيخ محمدًا في دعائه أبدًا في صلاة الليل ( يعني آخر الليل ) ، لأنها صحبة دين ومحبةٌ لله رحمهما الله ، وجمعهما في الفردوس .
يهدون من ضل إلى الهدى ويبصرونهم من العمى ، ويحيون بكتاب الله الموتى ، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من ضال تائه قد هدوه فما أحسن أثرهم عل الناس وما أسوأ أثر الناس عليهم .
وصلى الله على نبينا محمد المجتبى الأمين وآله وصحبه وسلم تسليمًا .
أما بعد : فإن الحديث عن العلماء – تبصيرًا بسيرهم ، وتعريفًا بحياتهم ، ونشرًا لفضائلهم ، وإذاعة لمناقبهم – مما ينفع الأمة أكبر النفع ، لأن فيه وصلَ الحاضر بالماضي ، وحثَّ المتأخر على الاقتداء بسجايا الخير التي تحلوا بها ، وفيه معرفة طلبة العلم بحال علمائهم وسيرتهم وفقههم وعلمهم وتقواهم وصلاحهم فينهلوا مما نهل منه أولئك العلماء حتى يلحق الركب بالركب ويقعَ الحافِرُ على الحافر ، وفيه تعريف أجيال الأمة المتلاحقة بأن أمتهم ودعوتهم ما وصلت إلى علو الشأن إلا بتوفيق الله وإعانته ثم بجهد وعمل بذله من تقدمهم فإن تواصل العمل تواصلت الريادة ، وإلا فالنقص ثم الزوال ، وفي الكلام عن العلماء فوائد لا تحصى في مثل هذه المقدمة .
من أولئك العلماء العاملين ، والجهابذة المحققين والأئمة المجاهدين الذين أثروا في حياة بلادنا والناس تأثيرًا ، تعليمًا ودعوة ، وقيادة وقدوة : العلامة الإمام محدث الفقهاء ، وفقيه المحدثين ، وداعية التوحيد مفتي الديار السعودية
الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ال مشرف الوهيبي التميمي .
#مولده – نشأته – أسرته :
ولد الشيخ رحمه الله في حي دخنة من مدينة الرياض في شهر الله المحرم سنة 1311هـ ، وأخواله الهلالي أسرة تسكن عرقة ، نشأ هذا المولود في بيئة ومجتمع زكي ، فأبوه وأعمامه أهل علم ودعوة وجهاد وصف ذلك الشيخ عبد الله بن بسام فقال : " كان مولده في بيت علم وفضل وزعامة دينية ، فنشأ على عادة أهله وآبائه محبًا للعلم طموحًا إلى الفضل " .
وينشأ الناشئ يقتبس من أخلاق وأوصاف من حوله ، فوالد الشيخ هو الشيخ الورع إبراهيم ابن عبد اللطيف قاضي مدينة الرياض ، وله رسائل وفتاوى ، كان رحمه الله متميزًا بالعدل الظاهر في قضائه ومقابلة الخصوم ، وكان ناظمًا للشعر مجيدًا له كأبيه عبد اللطيف .
وأما أعمام الشيخ محمد فأكبرهم الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف عالم نجد بعد أبيه ، وقائدها وكريمها ، بهر الرجال بحنكته وعقله ، وأدهشهم بعلمه وفضله ، هابه أمراء المدن والأقاليم الذي عقبوا آل سعود فيما بين الدولتين السعودية الثانية والثالثة ، فأظهروا محبته تارة وأضافوه في بلادهم ، وأكرموه ، فما حل ببلد ولا قرية إلا نشر دعوة التوحيد والعلم النافع ثم رجع إلى الرياض ، ثم لما قدم الملك عبد العزيز رحمه الله الرياض كان سنده وعضده بعقل وحكمة ، بل إن كثيرًا من جند الملك عبد العزيز كانوا من المتأثرين بالشيخ المتخرجين في حلق علمه ومدرسته ، رحمه الله رحمة واسعة .
وكذلك بقية أعمام المترجم له كانوا أهل علم وفضل كالمشايخ محمد بن عبد اللطيف وعبد العزيز وعبد الرحمن وعمر ، ولهم أخبار وأحوال كالعبير رحيقًا ، وصفهم الواصفون بنعوت أشبهوا بها الأوائل سمتًا وهديًا وعبادة وصلاحًا وعلمًا ، رحمهم الله ووفق ذرياتهم .
نشأ الشيخ في هذه الأسرة فلا غرو أن أثرت فيه ، وقد نهل منها واحتذى حذوها ، فتوجه بتوفيق الله من أثر هذه البيئة والمجتمع الذي حوله إلى العلم قابسًا من عقل ذوي العقل ، وتقى ذوي التقى ، وغيرة ذوي الغيرة وكلهم ذاك الرجل ، فطلب العلم على قاعدة الدين والعمل والعقل والغيرة لله فكان ذلك معلمًا بارزًا لنبوغه وتهيُّؤه للقيادة والريادة .
لما بلغ السابعة من العمر أي سنة 1318هـ شرع يتعلم القرآن بتجويده نظرًا على المقرئ ذي الصوت العذب المؤثر عبد الرحمن بن مفيريج ، فأجاده نظرًا ، ثم ابتدأ حفظه في سن الحادية عشرة ، وتعلم الكتابة وكان إذ ذاك مبصرًا ، وكتابته في صغره حسنة على أصولها كما ينبئ عن ذلك ورقة فيها كتابته إذ ذاك .
بعد هذا الأساس الأول لمن يريد طلب العلم الشرعي بحق – أعني حفظ القرآن – شرع يقرأ على مشايخه فكان أولهم والده الشيخ إبراهيم ، فقرأ عليه في مختصرات رسائل أئمة الدعوة ونُبَذ إمام الدعوة رحمه الله ، كان يحفظ المتن ثم يقرؤه على والده ثم يشرح له والده ما يُفهِمه مرامي كلامِهم ، وأصول مسائلهم ، وهكذا ينبغي أن يكون التوحيد هو أول مُتَعَلَم ، وإنما يفهم ويضبط بضبط متونه قبل شروحه ، إذ من حفظ وضبط المتون حاز الفنون .
ولما بلغ قريبًا من السادسة عشرة مرض بالرمد في عينيه ، وطال معه إلى قرابة سنة ، إلى أن كفَّ بصره عوضه الله الجنة .
بعد هذا شرع في حفظ القرآن وتثبيته وتنوع القراءة على مشايخه ، كما سيأتي فيما بعدُ .
وفي 6/12/1329هـ تُوفي والده عن عمرٍ يقارب 49 سنة إذ مولده سنة 1280هـ وكان للشيخ إبراهيم أربعة أبناء كبيرهم عبد الله ( 1305 – 1386هـ ) ثم محمد ثم عبد اللطيف ( 1315 – 1386هـ ) ثم عبد الملك ( 1324 – 1404هـ ) ، وكلهم عُرِف بالعلم والحلم والسداد رحمهم الله أجمعين .
فكان الشيخ رحمه الله لصغار إخوته حانيًا ومربيًا ومعلمًا .
فكان الشيخ رحمه الله لصغار إخوته حانيًا ومربيًا ومعلمًا .
# تعلمه – مشايخه :
جدّ الشيخ في تلك السن المبكرة على طلب العلم ، فتنقل بين علماء بلده يأخذ عنهم العلوم الشرعية الأصلية والمساندة ، فأخذ عن كل شيخ من مشايخه العلوم التي يدرسها ، وبالأخص ما يتميز به كل شيخ من العلوم ، ولهذا برع فيما درس لبراعة مشايخه وحسن استعداده العلمي والفطري : ففي التوحيد صارت له يد التحقيق ، وفي الفقه رسخت قدمه في الاجتهاد ، وفي العربية وعلومها صار معلمها الشارح لها أحسن شرح وهكذا في سائر العلوم ، ولا غرو أن كان كذلك إذ إنه تتلمذ لمشايخ برعوا في علومهم ، ومشايخه هم :
1 – والده الشيخ إبراهيم الوهيبي التميمي . ( 1280 – 1329هـ ) .
2 – عمه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف الوهيبي التميمي . ( 1265 – 1339هـ ) .
3 – الشيخ النحوي الفرضي الفقيه حمد بن فارس . ( 1263 – 1345هـ ) .
4 – الشيخ المحدث الفقيه سعد بن عتيق . ( 1279 – 1345هـ ) .
5 – الشيخ الفرضي عبد الله بن راشد . ( وفاته 1339هـ ) .
6 – الشيخ الفقيه محمد بن محمود . ( 1250 – 1333هـ ) .
قرأ على والده أصول التوحيد ومختصراته ، والفرائض ، ثم توسع في الفرائض على الشيخ عبد الله ابن راشد فقرأ عليه ألفية الفرائض .
وقرأ على عمه كتبًا كثيرة حفظًا منها كتب العقائد والتوحيد ككتاب التوحيد وكشف الشبهات وثلاثة الأصول ونحوها ، وبقية كتب أئمة الدعوة ، وقرأ الواسطية والحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية ، وحين يقال : قرأ فيعني حفظ غالبًا ، وفهم ذلك وجوَّده .
وقرأ في الفقه مختصراته أولاً على الشيخ حمد بن فارس فحفظ زاد المستقنع ، ثم قرأ على الشيخ محمد بن محمود ثم الشيخ سعد بن عتيق ، وكان هؤلاء الثلاثة ممن برعوا في الفقه وحققوا مسائله ، وضبطوا غرائبه .
وأما في الحديث : فقد حفظ بلوغ المرام وقريبًا من نصف " منتقى الأخبار " للمجد ابن تيمية وقرأهما على عمه الشيخ عبد الله ، وكرر قراءة بلوغ المرام على المحدث الشيخ سعد بن عتيق وأمرّ عليه ألفية العراقي .
وقد أُعطي إجازات في الحديث متنوعة وروى بأسانيده عددًا من الأحاديث إلى رسول الله r بسماعٍ لا إجازة ، ولولا خشية الإطالة لسقت ذلك مفصلاً .
وأما في علوم العربية : فقد حفظ من متونها ما به تثبت القدم ، ويرسخ الفهم ، فقرأ الآجرومية ، وملحة الإعراب للحريري ، وقطر الندى لابن هشام ، وألفية ابن مالك المشهورة ، قرأ هذه المتون على العلامة النحوي الحليم المتورع الفقيه الشيخ حمد بن فارس .
وقد دَرَّس الشيخ بعد ذلك هذه المتون النحوية فبرز في ذلك .
نعم .. إن للأخذ عن المشايخ فوائد مع الحصيلة العلمية ، فالتلميذ يقبس من أخلاق مشايخه ويتأثر بسجاياهم والخصال الجميلة التي يتحلون بها .
ولا غرو أن رأينا مشايخ الشيخ محمد بن إبراهيم متنوعين فيما منحهم الله به ، فهاهو الشيخ عبد الله عمه جمع إلى العلم الدهاء والعقل وحسن السياسة والقيادة ، والشيخ سعد بن عتيق جمع إلى العلم الصدع بالحق والقوة فيه ، والشيخ حمد بن فارس جمع إلى العلم الحلم العجيب والورع عن المشتبهات ، والتوقف عن المزلات .. وهكذا ، ومن نظر في خصال المترجم له وشخصيته وبنيته العقلية والخُلُقية والعلمية كاد أن يجزم أنه جمع المحاسن التي تفرقت في مشايخه ، وتحلى بالفضائل التي تبددت في غيره ، وليس في هذا مبالغة ولكن من عرفه علم ما ذكرناه .
# إخوانه – زملاؤه :
سبق أن ذكرت أن للشيخ ثلاثة من الأخوة هم الشيخ عبد الله وكان إمامًا لمسجد ابن شلوان في الرياض وكان – إضافة إلى علمه – متميزًا بصفاتٍ كلين العريكة وطيب المعشر وضبط الحديث وحسن الخلق ، وكان من العارفين بالأنساب الضابطين لها ، وكان أخباريًا ثبتًا في حديثه ، والشيخ عبد الله أسن من الشيخ محمد رحمهما الله ، وقد كان الشيخ ينيبه أحيانًا لخطبة الجمعة .
والشيخ عبد اللطيف كان حليف الود للشيخ محمد من صغره ، كان مرافقًا له في ذهابه وإيابه غالبًا ، قريبًا منه ، وكان معينًا له في تحضير الدروس ، والشيخ عبد اللطيف كان – إضافة إلى علمه الشرعي – من الأدباء الشعراء ، والنحويين الغرضيين ، فله الشعر الرائق المحفوظ ، وقد درَّس الطلاب مع الشيخ محمد ونيابة عنه في فنون العربية والفرائض وغيرها .
وكان متميزًا ببذل نفسه للناس يخدم هذا ، ويكتب لذاك ، ويشفع لهذا ويعطي ذاك ، وربما أرهقه الناس بما يرغبون فيه وهو صابر عليهم ، فربما خرج من المسجد في اليوم الحار فأمسك به ذوو الحاجات فيقضي لهم ما يقدر عليه من كتابة وغيرها ويدوم ذلك الساعة وأكثر وهم وقوف في الحر فيما بين المسجد والبيت ، هكذا حدثني من رأى ذلك .
ومحبةُ الشيخ رحمه الله لأخيه تظهر في أبيات إخوانية نظمها الشيخ محمد وأرسلها للشيخ عبد اللطيف لما سافر في مهمة شرعية ، قال فيها :
فإما أنختم بالـفنا ولـقيتمـوا =شقيقي حليف الود مذ هو صغير
فقولوا له يهدي السلام مضاعفًا=إليك محب فـي هـواك أسـير
ويهدي تحيـاتٍ كأن أريجهـا = لدى النشر يا عبد اللطيف عبـير
إلى آخرها
والشيخ عبد اللطيف قد تولى مناصب شرعية آخرها نائب رئيس الكليات والمعاهد العلمية ( جامعة الإمام حاليًا ) .
وأما الشيخ عبد الملك فهو الخيِّر الصامت ، الوقور الليِّن ، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر جمع إلى علمه من صفات الخير وبذل المال والمعروف ما يَشْهد به له من عرفه ، كان قريبًا من الشيخ وصحب الشيخ محمدًا في سفره إلى ( الغطغط ) لما أقام فيها الستة أشهر للدعوة والتعليم والقضاء ، وكان يكتب أحيانًا للشيخ ، فهو بمثابة الابن لأخيه الأكبر
وكان رحمه الله رئيسًا لهيئات الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المنطقة الغربية .
أما زملاؤه : فأخص منهم الشيخ عبد العزيز بن صالح المرشد المولود سنة 1313هـ ، كان رفيقًا للشيخ في طفولتهما ، وفي شبابهما ، وفي طلبهما للعلم ، طلبا سويًّا ، وتنقلا بين المشايخ سنيّا .
كان مما حدثني أنه استأجر هو والشيخ بيتًا صغيرًا ، وضعا فيه كتبهما ، استأجراه للتفرغ فيه للمطالعة فكانا يأويان إليه يحفظان ويدرسان ويتذكران ، وكانت الأجرة 7 ريالات عربية .
الشيخ عبد العزيز بن صالح رحمه الله إذا جلست معه ذكرت السلف ، ورأيت الزهد والتقوى ، والعلم والورع ، والحكمة والأخبار ، وأحسبه من الزاهدين العلماء ، له لهج بالدعوة دعوة التوحيد ، ومحبة لأهلها ، حلقة علمه بعد مغرب كل يوم دامت عقودًا من الأعوام ، وليت المقام أوسع من هذا لأذكر ما أعرفه عنه فهو عَلَمٌ قلَّ من يعرف أحواله وخصاله .
دامت صحبته وزمالته للشيخ محمد إلى وفاته ، وقد ذكر لي أنه ما ترك الشيخ محمدًا في دعائه أبدًا في صلاة الليل ( يعني آخر الليل ) ، لأنها صحبة دين ومحبةٌ لله رحمهما الله ، وجمعهما في الفردوس .